الشيخ محمد علي طه الدرة
637
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ : مثّل اللّه تعالى الّذي يمنّ ، ويؤذي بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه اللّه تعالى ، وبالكافر الذي ينفق ؛ ليقال : جواد ، وليثنى عليه بأنواع الثناء ، والرّياء : شرك كما صرحت به الأحاديث الشّريفة الكثيرة ، وخذ ما يلي : عن شدّاد بن أوس - رضي اللّه عنه - : أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من صام يرائي ؛ فقد أشرك ، ومن صلّى يرائي ؛ فقد أشرك ، ومن تصدّق يرائي ؛ فقد أشرك » . رواه البيهقيّ . وعن محمود بن لبيد - رضي اللّه عنه - : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشّرك الأصغر » قالوا : ما الشرك الأصغر ؟ يا رسول اللّه ! قال : « الرّياء ، يقول اللّه عزّ وجلّ إذا جزى النّاس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدّنيا ، فانظروا : هل تجدون عندهم جزاء » . رواه الإمام أحمد ، والبيهقيّ . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « قال اللّه تبارك وتعالى : أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك ، من عمل عملا أشرك فيه غيري ؛ تركته وشركه » . أخرجه مسلم . وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أي : الإيمان الحقيقي . وَالْيَوْمِ الْآخِرِ : هو آخر أيام الدّنيا ، فيه الحشر ، والنشر ، والحساب ، والجزاء ، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهيّ ، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الربّانيّ . فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ : الصّفوان : الحجر الأملس الكبير ، قال الأخفش : وهو جمع ، واحده : صفوانة ، وقيل : هو اسم جنس كالحجر ، وجمعه : صفي ، ففيه تشبيه تمثيلي ؛ لأنّ وجه الشبه منتزع من متعدّد . عَلَيْهِ تُرابٌ : على ذلك الصّفوان تراب يستره ، ويغطيه . فَأَصابَهُ وابِلٌ : مطر شديد نزل عليه . فَتَرَكَهُ صَلْداً : أملس ، لا شيء عليه من ذلك التراب ، فهذا مثل ضربه اللّه تعالى لنفقة المنافق ، والمرائي ، والمنّان بصدقته ، يؤذي النّاس بمنّه ، وتعييره ، فيرى الناس : أن لهؤلاء أعمالا في الظاهر ، كما يرى التّراب على الصّفوان ، فإذا جاء المطر الشّديد ؛ أذهبه ، وأزاله ، وكذلك حال هؤلاء يوم القيامة ، تبطل أعمالهم ، وتضمحلّ لأنّها لم تكن للّه تعالى ، كما أذهب المطر ما على الصّفوان من التّراب . هذا ؛ والمطر أوّله رشّ ، ثمّ طشّ ، ثمّ طلّ ، ثم هطل ، ثم وابل ، ثمّ جود ، والوابل : المطر الشديد الغزير ، قال النّابغة الذبياني : [ الطويل ] فلا زال قبر بين بصرى وجاسم * عليه من الوسميّ جود ووابل فينبت حوذانا وعوقا منوّرا * سأتبعه من خير ما قال قائل لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا أي : لا يقدرون على ثواب شيء ممّا عملوا في الدنيا ، وواو الجماعة عائدة على المنّان ، والمؤذي ، والمرائي ، وقيل : عائدة على ( الّذي ) ، وجمع الضمير ، كما في قوله تعالى : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا الآية رقم [ 69 ] من سورة